الرئيسية | قضايا معاصرة | ذمُّ الكلام والخوض في الفتنة

ذمُّ الكلام والخوض في الفتنة

image

مثل هذه الثورات على الحكام، والتظاهر عليهم بالمظاهرات والشعارات والهتافات ونحوها لا تعدوا كونها خروجًا على وليِّ الأمر

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد
    تعقيبًا على ما نشرته بعض وسائل الإعلام من بياناتٍ جماعيةٍ عن عددٍ من المفكرين أو ممن ينتسب إلى العلم نشرتها بعض وسائل الإعلام تمجِّد وتُؤيد ما وقع أو يقع الآن في بعض المجتمعات الإسلامية من الثورات على الحكَّام، والتظاهر عليهم بالمظاهرات والشعارات والهتافات ونحوها. أقول: هذه لفتةٌ يسيرةٌ نتأمل من خلالها أخي الكريم نصوص الشريعة الحكيمة؛ ليتضح لنا ما وقعت فيه هذه البيانات والكتابات والمقالات التحريضية من المخالفة للمنهج الشرعي في التعامل مع الفتن، وذلك  من وجوه عدَّةٍ:


الأول: أنَّ مثل هذه الثورات على الحكام، والتظاهر عليهم بالمظاهرات والشعارات والهتافات ونحوها لا تعدوا كونها خروجًا على وليِّ الأمر، وتمرُّدًا عليه، وانفلاتًا أمنيًّا، وفوضى ودمارًا وفسادًا وهلاكًا للعباد والبلاد في العاجل والآجل، أيًّا كان نوعها وصفتها ومُسمَّياتها، وقد أوجب الله تعالى للسلطان على رعيته السمعَ والطاعةَ في غير معصية، وحرَّم الخروج عليه، بل: ورتَّب على ذلك من الوعيد الشديد والعاقبة الوخيمة ما لا يخفى على من له أدني بصيرة بدين الله تعالى، قال الله سبحانه ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم...) الآية، وقال النبي : ( أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ فَتَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ...) وقال أيضا: ( عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلاَ سَمْعَ وَلاَ طَاعَةَ )، وقال عبادة بن الصامت: ( بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ  عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَعَلَى أَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا لاَ نَخَافُ فِى اللَّهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ )، وقال عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عباس: ( مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ فَمِيتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ )، وفي لفظٍ: (مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ، وَخَرَجَ مِنْ الطَّاعَةِ فَمَاتَ فَمِيتَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ )، وفي لفظٍ آخر: ( فَقَد خْلعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِه )، وفي لفظٍ آخر: ( مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ، وَاسْتَذَلَّ الْإِمَارَةَ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا وَجْهَ لَهُ عِنْدَهُ )، وحديث حذيفة بن اليمان الطويل، وفيه: أن النبي  قال: ( تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأَمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ )، أخرجه مسلمٌ في الصحيح، وترجم له: ( باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن، وفي كلِّ حالٍ، وتحريم الخروج من الطاعة ومفارقة الجماعة )، وحديث سلمة بن يزيد الجُعفي رضي الله عنه عند مسلم أيضًا: ( اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ )، وقد ترجم له مسلم في الصحيح: ( باب الأمر في طاعة الأمراء وإن منعوا الحقوق )، وأخرج الشيخان من حديث أسيد بن حضير رضي الله عنه أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ خَلاَ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ أَلاَ تَسْتَعْمِلُنِي كَمَا اسْتَعْمَلْتَ فُلاَنًا؟ فَقَالَ: (إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْني عَلَى الْحَوْضِ ). 
   قال الإمام الطحاوي في عقيدته: "ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعوا عليهم، ولا ننزع يدًا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة ما لم يأمروا بمعصية، وندعوا لهم بالصلاح والمعافاة".
    قال ابن أبي العز في شرحه على الكلام المتقدِّم: وأما لزوم طاعتهم وإن جاروا؛ فلأنه يترتَّب على الخروج عن طاعتهم من المفاسد أضعاف ما يحصُل من جَوْرِهم". ا هـ كلامه.


الوجه الثاني: أنها توجِّج نار الفتنة وتزيد من اشتعالها واتساع نطاقها في المجتمعات الإسلامية بتجرئة السفهاء والجهال والمغرضين وتأليبهم على قادتهم. وقد ذمَّ الشارع الحكيم الكلام في الفتنة، وحذَّر من الخوض فيها والاستشراف لها، بل: وجعل الكلام فيها أشدَّ من وطأة السيف، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: ( تكون فتنةٌ وقعُ اللسان فيها أشدُّ من وقع السيف )، وثبت من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( بين يدي الساعة الهرج، وذكر الفتنة، ثم قال أبو موسى: ما أعلم المخرج لي ولكم منها فيما عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن نخرج منها كيوم دخلنا فيها، قال الحسن البصري راوي الحديث عن أبي موسى: ما الخروج كيوم دخلوا فيها إلا السلامة، فسلمت قلوبهم وأيديهم وألستنهم )، وقد ترجم للحديثين أبو عمرو الداني في كتابه السنن الواردة في الفتن باب ( ذمِّ الكلام في الفتنة).     
الثالث: أنَّ المرجع في مثل هذه الوقائع والأحداث والنوازل هم أهل الردِّ الذين قال الله فيهم ( ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) .
   ونحن في هذه البلاد المباركة لدينا من أهل الرد والعلم مَنْ نصبه ولي الأمر وفقه الله لمثل هذه النوازل والأحداث ما يغنينا عن سواهم، فلا حاجة بنا لمثل هذه البيانات والخطابات الجماعية التي لا تزيد الطينة إلا بلَّة، ولا الفتنة إلا محنة.
    دفع الله عنا وعن المسلمين سوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، ووفق قادتنا في هذه البلاد الطاهرة لما يحبه ويرضاه. 
   
                                                     أخوكم: علي بن فهد بن عبد الله أبا بطين
                                                                  المدينة النبوية
                                            

Powered by ePublisher 2011